محمد أبو زهرة

2105

زهرة التفاسير

و « من » في قوله تعالى : مِنْ بَشِيرٍ لتأكيد النفي ، والتنكير في بشير ونذير للتصغير لا للتكبير ، وإنما كان للتصغير لأن النفي بعمومه شامل ، والمعنى : ما جاءنا أي بشير ولو صغيرا ، ولا نذير ولو كان ضئيلا ، فقد حرمنا من الهداية وما حرموا منها . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ الفاء هنا تفصح عن كلام مقدر قبلها ، قد يكون شرطا ، وقد يكون غير شرط ، والمعنى لا عذر لكم ، وقد قطع السبيل عليكم ، فقد جاءكم الرسول الذي أرسلناه مبشرا بالحق وغايته وثمرته في الدنيا والآخرة ، ومنذرا من يرتكبون المعاصي بالهوان وسوء العقبى ، والاضطراب في الدنيا ، والعذاب الأليم ، فعليكم أن تطيعوا ، ولا تحسبوا أن الخير أماني تتمنى ، من غير عمل يعمل . لقد روى في السنة عن ابن عباس أنه قال : « دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود ، فرغبهم وحذرهم فأبوا عليه ، فقال لهم معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب : « يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله لتعلمن - أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كنتم تذكرونه قبل بعثه ، وتصفونه لنا بصفته ، فقال وهب بن يهوذا : إنا ما قلنا لكم هذا وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده . فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية » . وسواء أصح هذا سببا للنزول أم لم يصح ، فإن الآية قد سيقت لقيام الحجة عليهم فيما ينكرون ، وأنهم مأخوذون بما يدعون إليه ، فإن قاموا بحق الإسلام ، واستجابوا للرسول صلى الله عليه وسلم فقد نجوا ، وإلا فقد هلكوا ، والتنكير هنا للتعظيم في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولتعظيم بشارته وإنذاره ، والمعنى قد جاءكم بشير ونذير هو أعلى المبشرين المنذرين ، لأنه خاتم النبيين ؛ ولأنه آخر لبنة في صرح النبوة ، ولأن تبشيره وإنذاره قائمان إلى يوم القيامة ، فلا نبوة بعده ، ولا وحى ينزل على أحد من بعده فرسالته خالدة باقية ، وبشير ونذير وصفان ، وقد عطف ثانيهما على الآخر لتغايرهما في المعنى والمؤدى وإن كانا وصفين لشخص واحد ، كما قال تعالى :